ابن أبي الحديد

171

شرح نهج البلاغة

لا خلاف بين المسلمين أن الحسين ( عليه السلام ) كان يصلح للإمامة وإن لم يوله أبوه الولايات ، وفي مثل ذلك خلاف من حال عمر ، فافترق الأمران . فاما قوله : إنه لم يعثر على عمر بتقصير في الولاية ، فمن سلم بذلك ! أوليس يعلم أن مخالفته تعد تقصيرا كثيرا ، ولو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطئه في الاحكام ورجوعه من قول إلى غيره ، واستفتائه الناس في الصغير والكبير ، وقوله كل الناس أفقه من عمر ، لكان فيه كفاية . وليس كل النهوض بالإمامة يرجع إلى حسن التدبير والسياسة الدنياوية ورم الأعمال والاستظهار في جباية الأموال وتمصير الأمصار ووضع الأعشار ، بل حظ الإمامة من العلم بالأحكام والفتيا بالحلال والحرام ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه أقوى ، فمن قصر في هذا لم ينفعه أن يكون كاملا في ذلك . فأما قوله : فهلا دل ما روى من قوله ( عليه السلام ) : " فان وليتم عمر وجدتموه قويا في أمر الله قويا في بدنه " ، فهذا لو ثبت لدل ، وقد تقدم القول ( 1 ) عليه ، وأقوى ما يبطله عدول أبى بكر عن ذكره ، والاحتجاج به لما أراد النص على عمر ، فعوتب على ذلك وقيل له ما تقول لربك إذ وليت علينا فظا غليظا ! فلو كان صحيحا لكان يحتج به ويقول : وليت عليكم من شهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه قوى في أمر الله ، قوى في بدنه . وقد قيل في الطعن على صحة هذا الخبر : إن ظاهره يقتضى تفضيل عمر على أبى بكر ، والاجماع بخلاف ذلك ، لان القوة في الجسم فضل قال الله تعالى : ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) ( 2 ) . وبعد فكيف يعارض ما اعتمدناه من عدوله ( عليه السلام ) عن ولايته - وهو أمر معلوم - بهذا الخبر المردود المدفوع ! . قلت : أما ما ادعاه من عادة الملوك ، فالامر بخلافه ، فإنا قد وقفنا على سير الأكاسرة وملوك الروم وغيرهم فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده .

--> ( 1 ) في د " الكلام "